ابن تيمية

12

مجموعة الرسائل والمسائل

وأنه يغفر الذنوب جميعاً ، ويغفر ما دون الشرك ، وأن الصدقة يبطلها المن والأذى ، وأن الرياء يبطل العمل ، ونحو ذلك ، فجعل للسيئات ما يوجب رفع عقابها ، كما قد جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها ، لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة ، كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات إلا الردة ، وبهذا يتبين أنا نشهد بأن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً على الإطلاق والعموم ، ولا نشهد لمعين أنه في النار لأنا لا نعلم لحوق الوعيد له بعينه ، لأن لحوق الوعيد بالمعين مشروط بشروط وانتفاء موانع ، ونحن لا نعلم ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في حقه . وفائدة هذا الوعيد أن هذا الذنب سبب مقتضٍ لهذا العذاب ، والسبب قد يقف تأثيره على وجود شرطه وانتفاء مانعه . يبين هذا أنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها ، وثبت عنه في الصحيح أن رجلاً كان يكثر شرب الخمر فلعنه رجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله " فنهى عن لعن هذا المعين وهو مدمن الخمر لأنه يحب الله ورسوله ، وقد لعن أولاً شاربها على العموم . قال فمسألة تكفير أهل البدع والأهواء متفرعة على هذا الأصل فنبدأ بمذاهب الأئمة في ذلك قبل التنبيه على الحجة فنقول : المشهور من مذهب أحمد وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية وهم المعطلة لصفات الرحمن ، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب ، وحقيقة قولهم جحود الصانع وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله ، بل وجميع الرسل ، ولهذا قال عبد الله بن المبارك : إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية . وقال غير واحد من الأئمة : أنهم أكفر من اليهود والنصارى ، وبهذا كفروا من يقول أن القرآن مخلوق وأن الله لا يرى في الآخرة ، وأن الله ليس على العرش ، وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا رحمة ولا غضب